
الامتحانات الصعبة -الصعبة نوعا ما ليس لكونها مركبة، بل لكونها تغري من ناحية الاستفادة الإعلامية أولا، ومن ناحية حاجة البعض لشرعية إسرائيلية ثانيا- أقول إن هذه الامتحانات تنجح دائما في توضيح الفروق بين نهج لا يساوم في المشروع الوطني، ولا يحاول المصالحة بينه وبين "شرعية إسرائيلية" ما، وبين ذاك الذي يساوم فيه باتجاه المزاوجة بين الإثنين. مزاوجة تقضم في هيبة الأول، ولا تربح الثاني. كما أن تلك الامتحانات، توضح الدور الحقيقي لبعض أعضاء الكنيست العرب الذين لا يمثلون تيارا أو حزبا، بل ناديا من المستفيدين في أفضل الأحوال.
الحقيقة أن التوقيت المتزامن لمؤتمر "هرتسليا" و"أوشفيتس" والاحتفالات الـ61 للكنيست الإسرائيلي، قد توحي بأن ردة ما تحصل في الخطاب الوطني الفلسطيني في الداخل، وتردي ما يحصل في السلوك السياسي، لكن ما يحصل هو ما يحصل دائما، هيبة المشروع الوطني لا تستطيع أن تمنع الجميع ودائما من سلوكيات سياسية يرون فيها بعض المكاسب.
مع ذلك علينا أن نعترف بأن الخطاب الوطني نفسه تساهل مع بعض السلوكيات السياسية التي ارتكب بعضها بسبب فقدان البوصلة السياسية، وبعضها الآخر بسبب انتهازية ونفعية سياسية، ونحن نرى الآن كيف أن خفوت هذه الانتقادات سابقا وعدم وضعها في مركز النقاش السياسي وخارج حدود الشرعية السياسية، أبقتها كسلوك ممكن ومتساهل معه.
ونرى خطورة تساهل الخطاب الوطني، وتساهل الإعلام، والنشيطين السياسيين، أكثر ما نراه في أحدى أكثر الصور صدقا وتجسيدا للأسرلة: مؤتمر الأمن القومي الإسرائيلي، مؤتمر هرتسليا.
مؤتمر هرتسليا هو مؤتمر "الأمن الإسرائيلي" هو مؤتمر "المناعة القومية الإسرائيلية"، فكيف نشارك فيه؟ كيف يطرح الفلسطيني نفسه جزءا من الإجابة على سؤال الأمن الإسرائيلي؟ كيف يطرح الفلسطيني نفسه شريكا في طرح هذا الهم الأمني؟ كيف يسمح عضو كنيست عربي لنفسه بأن يكون جزءا من أي إطار يطرح هذا "الهم القومي" الصهيوني؟ . . . وكيف يشارك عضو كنيست عربي، بصفته هذه، أي بصفته عضو كنيست عربي في مؤتمر تطرح فيه كل القضايا، حتى قضية "مساواة" العرب، من باب خطر عدم المساواة على الأمن الإسرائيلي وعلى "المناعة القومية الإسرائيلية".
أما الإدعاء البائس بـ"أن سلام فياض (ممثل الشعب المحتل، ضحية مفهوم الأمن الإسرائيلي والمشروع الصهيوني) يشارك في مؤتمر هرتسليا، فلماذا لا يشارك الطيبي، وأن المؤتمر هو منصة لهما"، فهذا ادعاء ضعفاء النفوس، والمهزومين، والزاحفين على البطون، إذ لا يتوقع أحد أن يشارك نتانياهو في مؤتمر لحماس، حيث هناك أيضا قد يجد منصة له.
تعارض الكتل العربية في الكنيست الدخول في لجنة الخارجية والأمن، ليس فقط لأنه لا قاسم مشترك بيننا وبين المؤسسة الإسرائيلية فيما يتعلق بقضايا الأمن، بل أيضا لأن إسرائيل تعرف وجودنا الفلسطيني على جانبي الخط الأخضر كجزء من التهديد الأمني لها، وتعرف نفسها بشكل يجعل منها تهديدا أمنيا على وجودنا، لأننا هنالك سنناقش كيف نقصف غزة، وكيف نقضي على المقاومة في الضفة، وكيف نتعامل مع التهديد الديمغرافي للعرب. فلماذا إذا نقاطع لجنة الأمن الإسرائيلي في الكنيست ونشارك في جلسات الأمن خارج الكنيست؟
أما بالنسبة لزيارة أوشفيتس فمن الواضح أنها خلخلة لحد فاصل حرصنا أن نضعه بين المشروع الصهيوني وبين إسرائيل من جهة، وبين مفهوم الضحية من جهة أخرى. رفض المشاركة في زيارة ضمن وفد إسرائيلي صهيوني، هي عملية وضع خط أحمر بيننا وبين إطار الزيارة وتوظيفها السياسي. وبما أن النائب محمد بركة يعترف أن هنالك توظيفا سياسيا للمحرقة، فلماذا لا يعترف أيضا ولنفس المنطق والمنطلق أن هنالك توظيفا سياسيا لمثل هذه الزيارات؟ لماذا لا يعترف بأن هذه الزيارات هي جزء من هذا التوظيف السياسي؟ وما الفائدة والمعنى إذا أدركنا أن هنالك توظيفا سياسيا للمحرقة لصالح المشروع الصهيوني ولم نستطع أن نميز النشاطات السياسية التي تقع في إطار هذا التوظيف؟
الزيارة هي ليست فقط زيارة إلى، بل هي أيضا زيارة مع، وهي زيارة ضمن وهي زيارة من قبل وهي زيارة بهدف، والحكم على هذه الزيارة يكون من جميع هذه الأبواب. هي زيارة مع وفد صهيوني ضمن وفود إسرائيلية كثيرة هرولت إلى أوروبا هذا العام بالذات، وضمن نفس الذكرى، لتأليب أوربا ضد إيران، ولتحريضها ضد غولدستون باسم ضحايا النازية.
تتزامن هذه الأحداث مع الاحتفالات الـ61 للكنيست، والتي هي الصيغة البرلمانية لاحتفالات استقلال إسرائيل الـ61. فكيف نحيي النكبة، ونشارك مشاركة فعالة في احتفال الكنيست الإسرائيلي؟
نفس عضو الكنيست الذي شارك في مؤتمر هرتسليا، شارك في النشاطات الاحتفالية في الكنيست، وبصفته عضو كنيست عربي، أي مرة أخرى، شارك بصفته العربية، كي يمثل نشاطا يجمع كل أطياف "المجتمع الإسرائيلي"، كي يحتفل مع المحتفلين إمعانا في الأسرلة.
هذه الأحداث المتتالية، يمر بعضها مرور الكرام، ولا يكتب عنها، فلم أصادف أي خبر في الإعلام العربي عن احتفاليات الكنيست أو عن عضو الكنيست العربي المشارك في هرتسليا. إذا كان هذا إشارة لخجل، ولمحاولة الكسب فقط في الساحة الإسرائيلية، والخجل من الساحة العربية، فهذه نصف مصيبة كما يقولون.
أما النصف الآخر، فيقع تحت مسؤوليتنا، تحت مسؤولية الحركة الوطنية بجميع أطيافها، مسؤولية المعارضين والمنتقدين، مسؤولية الصحفيين الشرفاء، ومسؤولية النشطاء السياسيين، الذين يختارون الصمت، عندما يكون السكوت أبعد ما يكون عن الذهب.